ايات من القرأن الكريم

كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ

الآية رقم 3

من سورة التكاثر

09 / 01 / 2017

السلف والقروض

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اني موظف وتم عرض علينا سلفة من مصرف الرافدين بمقدار عشرة ملايين دينار عراقي ويتم تسديدها عن طريق استقطاع من الراتب الشهري بمقدار (١٩٦،٠٠٠) لمدة (٦٠) شهر

اي (٥) سنوات ويكون مجموع الاستقطاع  الكلي لحين تسديد السلفة (١١،٧٦٠،٠٠٠) اي ما يترتب عليها ارباح للمصرف زيادة عن مبلغ الاقراض بمقدار (١،٧٦٠،٠٠٠) فهل يعتبر هذا ربا؟

 

الجواب:

أي زيادة على أصل القرض وأجوره الفعلية ربا، وما ذكرت ربا

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:

فالربا من المحرمات القطعية التي ثبتت حرمته بنصوص كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، والجرأة في اقتحامه بلا مبرر شرعي تمثل إعلان حرب على الله U.

وكان الأولى بالدولة أن تُعِين الناسَ بقرضٍ حسنٍ خالٍ من الفوائد الربوية طلبًا لمرضاة الله U، أو بتمويل القروض بطريق المرابحة وغيرها من البدائل الشرعية.

وحالة الضرورة تتحقق إذا تعرضت أحدى الكليات الخمس (الدين والنفس والعقل والعرض والمال) للخطر، ويجوز التعامل بالربا إذا تعين بابًا لقضاء تلك الضرورة، وهذا في زماننا يمكن أن يتحقق في الصور الآتية:

أولا: صورة إنقاذ النفس من خلال الاقتراض للعلاج:

–           فإذا كان المرض من الأمراض التي تسبب شدة ألم أو عوقًا للمريض؛ فالعلاج وسيلة من وسائل حفظ النفس لمن يحتاجه.

–           إذا احتاج المريض التدخل الجراحي لمعالجة مرضه ولم يجد طريقا غير القرض الربوي، فلم يجد من يتصدق عليه بالمبلغ، ولم يجد من يقرضه القرض الشرعي الحسن.

–           ولم يكن لديه المال الكافي للعلاج أو لإجراء العملية، ويدخل فيها مصاريف السفر إن احتاج للعلاج خارج البلد.

–           وغلب على الظن بإخبار الطبيب الحاذق الثقة أن هذا العلاج نافع له بإذن الله.

فهذا من الضرورة التي تبيح المحظور، فلا بأس بالقرض في مثل هذه الحال؛ لأن حفظ النفس من مقاصد الشريعة، وهنا تقدم مصلحة حفظ النفس على مفسدة أكل الربا.

فأصل الضرورة من الضرر وهو الضيق، وحالة الضرورة هي التي يتحقق فيها أعلى درجة من الضرر والمشقة لما فيها من إتلاف النفس والمصالح الضرورية الأخرى كالدين والعقل والمال والنسل، والحاصل هنا ضرر يخشى منه إتلاف النفس أو زيادة أذاها.

ثانيًا: إنقاذ المعتقل الذي يودع السجن ظلمًا، فإنقاذه يدخل في باب الضرورة أيضًا حفظًا لنفسه ولعموم قوله تعالى }وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ{ الأنعام وذلك يكون:

–           أن يبذل أهله ما يستطيعون أن يبذلوه مما لديهم من مال ولو بالتقصير على أنفسهم في بعض الحاجيات.

–           فإن لم يكفِ ما عند أهله فيجب على أغنياء الأمة أن يبذلوا لأمثال هذه الحالات من الزكاة وهو داخل في سهم “في الرقاب” ويمكن أن يكون ضمن “الغارمين ويحتمله عموم مصرف في سبيل الله، وكل ذلك يدخل ضمن قوله U  }وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ{ التوبة60.

–           إن لم تحصل الكفاية يمكن أن يقترضوا من المحسنين والتسديد حين الميسرة.

–           بعد كل هذه الخطوات؛ يمكن أن يذهب إلى القرض الربوي لإنقاذ هذا المعتقل وفك رقبته.

ثالثًا: مقاصد حفظ النفس والدين والعِرض تحتاج إلى بسكنٍ مناسبٍ، والأسرةُ التي لا تجد مسكنًا يأويها أو لا تستطيع تحمل تكاليف الإيجار الباهظة تعيش حالة ضرورة، فالأصل في المسكن المناسب أنه من الحاجيات، الذي يصبح من الضروريات عندما يتعين لحفظ النفس وعرض العائلة.

فمن لا يملك ثمن الإيجار الباهض ولا يُسمح له اليوم ببناء الطين البسيط، لأن التشريعات تحرمه من تقديم خدمات الماء والكهرباء إلا ببناء الطابوق، وكانت له عائلة وأراد أن يستر عرضه فلم يجد طريقًا إلا الربا فليس ببعيد أن يقال له بجواز ذلك حفظًا لمقصد العرض من الكليات الخمس.

وقد استعمل بعض العلماء مصطلحات للتعبير عن الحاجة التي تعم، فسماها ابن عابدين “عموم الضرورة“([1]) وسماها بعضهم “الضرورة الجماعية”.

والضرورة التي لها أثر في تغير الأحكام قد يراد بها الضرورة الخاصة وقد يراد بها الضرورةِ العامة؛ فالكثير منَ الأحكامِ التيْ كانت مبنية على العرفِ تغيرَتْ بتغيرِ الأزمانِ بسببِ فسادٍ في أهلِ الزمانِ أو عمومِ الضرورةِ([2]) والذي بمعنى القاعدة القائلة (الْحَاجَةُ الْعَامَّةُ تُنَزَلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ الْخَاصَّةِ فِي حَقِّ آحَادِ النَّاسِ)([3]).

والإفتاء بتجويزِ القروضِ الربويةِ لبناءِ العقارِ في المناطقِ التي شهدَتْ صراعاتٍ وأعمال عنف في بلدِنا تبنى على “عمومِ الضرورةِ” أو “الضرورةَ الجماعية”، فيجوزُ لهؤلاءِ أنْ يأخذوا هذهِ القروضَ منَ الدولةِ لبناءِ مساكنِهم بالشروط الآتية:

  1. أن لا يكون لدى المقترض مالٌ كافٍ لبناء أرضه وتعمير مسكنه.
  2. أن لا يكون هناك بديل شرعي آخر، كالقرض الحسن أو توافر البنوك الإسلامية القادرة على هذه التمويلات.
  3. هذه الفتوى قائمة على أنَّ الربا حرامٌ، وسببُ السماحِ به قائم على أساسِ الضرورةِ الجماعيةِ أو الحاجةِ العامةِ، وما دامَتْ الفتنةُ قائمةً وحالةُ التربصِ بالآخرِ حاضرةً، فالفتوى قائمةٌ.

والضابط في جواز أخذ القرض الربوي أنه إذا تعين لحفظ دين أو عرض أو نفس أو عقل، لا مال؛ جاز أخذه([4]).

 

([1]) عقود رسم المفتي، ص45.

([2]) انظر: عقود رسم المفتي ص1/44.

([3]) الجويني، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف، البرهان في أصول الفقه، تحقيق: د. عبد العظيم محمود الديب ط4 دار الوفاء المنصورة 1418هـ، 2/606. والزركشي، المنثور في القواعد الفقهية 2/ 24.

([4]) د. محمد نعيم هاني الساعي، الجامع في القواعد والضوابط والمقاصد الفقهية للنوازل والقضايا المعاصرة، ط 1 دار السلام القاهرة 1432هـ-2011م 2/502.

الشيخ الدكتور عبد الستار عبد الجبار

عضو الهيئة العليا للمجمع الفقهي العراقي لكبار العلماء للدعوة والافتاء

نائب رئيس مجلس علماء العراق




X أرشيف مطبوعات الديوان


مجلة الرسالة الاسلامية



مجلة عيون الديوان



مجلة بنت الاسلام



مجلة الامة الوسط



مجلة والذين معه