23 / 02 / 2015

السيرةُ الطيِّبةُ لزوجاتِ الرَّسولِ أمهات المؤمنين .. السيدة عائشة إنموذجا؟...

إنَّ حبنا وإجلالنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يدفعنا لتناول سيرة أمهات المؤمنين اللواتي كن نبراساً للزوجات المؤمنات الصالحات المطيعات له صلى الله عليه وسلم والكريمات العابدات الخاشعات الراكعات حتى نزلت النصوص في بيوتهن ، خاصة وإنهن طبقن تلك التعاليم السماوية حرفياً كونهن في بيت النبوة، وينهلن من روح الرسالة ويستنشقن عبير الاسلام وهو يفوح من الثغر الشريف لنبي الرحمة صلى الله عليه وسلم.

لقد عشن أولئك النسوة الطيبات الطاهرات تحت سمع النبي صلى الله عليه وسلم وبصره فسددهن وعلمهن، وأطلقهن معلمات لنساء ذلك الجيل، حتى غدون قدوة لنساء العالم ومرشدات لعدة أجيال فيما بعد, إنهن المثل الرائد، والقدوة المتفردة عبر العصور..

أن دور نساء النبي في المجتمع وتأثيرهن على محيطهن الاجتماعي أدى إلى أن ترتفع مكانة المرأة المسلمة في المجتمع ، وكانت أمهات المؤمنين رائدات التغيير في ذلك المجتمع الذي كان لحقبةٍ قريبة يعاني من ظلم، وجور، وعادات الجاهلية, حيث ابتذال المرأة وإذلالها ، لابل وأدها والتخلص منها وهي مازالت رضيعة.

إنَّ زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وهن زوجاته في الدنيا والآخرة وأمهات المؤمنين ولهن من الحرمة والتعـظيم ما يليق بهن زوجات لخاتم النبيين فهن من آل بيته مطهرات, طيبات، بريئات مبرآت من كل سوء يقدح في أعراضهن وفرشهن , فالطيبات للطيبين والطيبون للطيبات فرضي الله عنهن وأرضاهن أجمعين وصلى الله على نبيه الصادق الأمين,

إن الخوض في هذا الموضوع الكبير يفرض علينا التوقف عند السيدة عائشة رضي الله عنها تلك المرأة الأنموذج الطاهر والصادق والمناصر للمرأة والمنافح عنها بلا منازع، وإليها وحدها تتطلع أبصار المستضعفات، لما تمّ لها من المكانة الكبيرة في العلم والأدب والدين، حتى تقطعت دون مقامها الأعناق، وكانت أستاذة لمشيخة الصحابة الأجلاء في كثير من أمور العلم والدين, وهذا لاينفي أو يضعف من دور الأخريات من زوجات النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

فمن السيدة عائشة (رضي الله عنها)؟ إنها عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن أبي قحافة بن عثمان التيمَّي السَّعْديِّ القرشي, وكانت تُكنَّى بأمَّ عبد الله، وأمُّها أمُّ رُومان بنت عامر الكنانية، تَيمَّية، قرشّية، تزوجها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم  قبل الهجرة بثلاث سنين، وهي بنتُ ست وقيل سبع وقيل تسع سنين في المدينة المنورة أول مقدمه في السنة الأولى, فكانت أحبَّ أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم  إليه، وقد سُئل: أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ قال: (عائشة) قيل: فمن الرجال؟ قال: (أبوها)، كما أنه لم يتزوج امرأة بكراً غيرها، وكان الوحي ينـزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في لحافها دون غيرها.

وهي التي برأها الله سبحانه وتعالى مما رماها به أهلُ الإفك، وأنزل في عذرها وبراءتها وحياً يُتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة قال تعالى:  ((إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) (النور: 11)

تُوفي الرسول صلى الله عليه وسلم  في بيتها، وفي يومها، وبين سحْرها، ودُفن في بيتها. ثم أن المَلَك أرى صورتها للنبي صلى الله عليه وسلم  قبل أن يتزوجها في سرقة حرير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن يكنْ هذا من عند الله يُمضه)، كما أن الناس كانوا يتحرّون بهداياهم يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، تقرباً إلى الرسول – صلى الله عليه وسلم، فيُتحفونه بما يُحبُّ في منزل أحبّ نسائه إليه – رضي الله عنهم أجمعين.

قال أبو عمر: وتوفيت عائشة سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين، ودفنت من ليلتها بعد الوتر بالبقيع وصلى عليها أبو هريرة.

إن الحديث عن تلك المرأة العفيفة الطاهرة لاتكفيه سطور مقالتنا هذه ولاتجمعه وريقات دفاترنا ؛ لأنها أمنا عائشة رضي الله عنها التي كانت في مقدمة المهاجرات للمدينة، و شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم معظم غزواته، واشتهر عنها أنها من المجاهدات في الحروب، وكانت كريمة كأبيها تنفق بسخاء في سبيل الله ودون حساب كالسيل المتدفق.

فهي التي اتخذ رسول صلى الله عليه وسلم رايته الأولى من برد لها تدعى العقاب عندما خرج غازياً خيبر في جمادى الأولى سنة سبع من الهجرة بعد نحو عام من محنة الإفك.

وهي التي يعلم المسلمون علم اليقين مدى حب الرسول لها وإيثاره إياها فينتظرون حتى يكون في بيتها من يبعثون إليه بالهدايا. وقد ورد حديث عن أنس بن مالك قال: ” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.

وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام فأي حب لها في سيد الرجال ونبي الرحمة والهادي الأمين.

أما علم السيدة عائشة رضي الله عنها فهو علم واسع غزير، وتُعدُّ ملمة بكل ما يتعلق بالدين من قرآن وسنة وفقه، وفي ذلك قال الحاكم في المستدرك إن ربع أحكام الشريعة نقلت عنها (أي السيدة عائشة). وقال أبو موسى الأشعري الصحابي الجليل: ((ما أشكل علينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً قط إلا وجدنا عندها منه علماً, وتعد السيدة عائشة رضي الله عنها من كبار حفاظ السنة النبوية الشريفة وقد وضعها المحققون في المرتبة الخامسة في حفظ الأحاديث وروايتها بعد أبي هريرة وابن عمر وأنس بن مالك وابن عباس رضي الله عنهم، ولكنها تنفرد دونهم بميزة هامة وهي أنها كانت تروي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة ولم تنقلها عن أحد. ولذلك فقد روت أحاديث لم يروها غيرها حتى وصل الأمر أن يرجع لها الصحابة في مايتعلق بالحديث والمثال على ذلك رجوع أبي هريرة رضي الله عنه عما يرويه عن الفضل ابن عباس: أن من أدركه الفجر وهو جنب فلا يصم فلما سألت في ذلك عائشة وأم سلمة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من غير حلم ثم يصوم)، وعندما علم أبو هريرة بذلك قال: هما أعلم ورد ما كان يقول في ذلك.

ويقول أبو سلمة بن عبد الرحمن عن علم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (( ما رأيت أعلم بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أفقه في رأي إذا احتيج إليه ولا أعلم بآية فيم نزلت ولا فريضة من عائشة ))

بقي أن نشير الى أن أمنا السيدة عائشة رضي الله عنها كانت زعيمة الآخذين بناصر المرأة، والمنافحين عنها بلا منازع، وإليها وحدها تتطلع أبصار المستضعفات، لما تمّ لها من المكانة الكبيرة في العلم والأدب والدين، حتى تقطعت دون مقامها الأعناق، وكانت أستاذة لمشيخة الصحابة الأجلاء في كثير من أمور العلم والدين… رضي الله عنها وعن أبيها وحشرنا معهم في جنان الخلد.

 




X أرشيف مطبوعات الديوان


مجلة الرسالة الاسلامية



مجلة عيون الديوان



مجلة بنت الاسلام



مجلة الامة الوسط



مجلة والذين معه