04 / 10 / 2016

الطاعات في شهرِ شوَّال المبارك

يستحب في شهر شوال القيام بالعبادة العظيمة ، ربما يغفل عنها كثير من الناس، تلك العبادة هي صيام ستٍ من شوال، التي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عظم أجرها ، كما ورد في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر)) مسلم في صحيحه .

الاستدلال بالحديث

هذا الحديث فيه الحث على صيام ستٍ من شهر شوال، فمن صام هذه الأيام بعد شهر رمضان، سواء كان صيامها متتابعة، أم متفرقة، ويسع المرأة صيام ستٍ من شوال بعد أن تقضي المرأة ما عليها، أو تصوم ستا من شوال وتترك ما عليها من قضاء رمضان في غير شوال ، أو في شعبان كما كانت تفعل أم المؤمنين عائشة ، عن أبي سلمة قال: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: ((كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان)) رواه البخاري في صحيحه.

فمن أتبع رمضان بصيام ستٍ من شوال ، كتب الله له أجر صيام الدهر، إذا استمر على فعل ذلك كل عام. ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيّن عظيم أجر هذه الأيام، فما بال فئام من المسلمين يتخلون عن صيامها؟ مع إننا نحتاج إلى رحمة الله، وإلى حسنة تنقذنا من مشاكل الدنيا وهمومها وأهوال يوم القيامة ، وهنا نقف متسائلين كيف يعدل صيام الست من شوال صوم الدهر؟

– الأصل في هذه الأجور التي وردت في الأحاديث الكثيرة عن فضل صيامها ، أن علمها عند الله تعالى، ولكن علماؤنا جزاهم الله خيرا ، عللوا ذلك بما يمكن أن يستأنس به، فمن ذلك ما قاله ابن رجب في لطائف المعارف : وإنما كان صيام رمضان وإتباعه بست من شوال يعدل صيام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، وقد جاء ذلك مفسراً من حديث ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صيام رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام سنة)) ، يعني رمضان وستة أيام من شوال بعده، أخرجه الإمام أحمد والنسائي وهذا لفظه وابن حبان في صحيحه وصححه أبو حاتم الرازي وقال الإمام أحمد: ليس في حديث الرازي أصح منه و توقف فيه في رواية أخرى، وقد أخرجه ابن ماجة أيضاً وقال الأعظمي: (إسناده صحيح) صحيح ابن ماجة (2115).

واعلم أيها المسلم الحبيب إن في معاودة الصيام بعد رمضان فوائد عدة، منها:

– أن صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان يستكمل بها أجر صيام الدهر كله، كما ذكر آنفا.

– إن صيام شهر شوال وشعبان شُبْه بصلاة السنن والرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها، فيكمل بها ما يحصل في المكتوبة من خلل ونقصان، إن الفرائض تُجبر وتكمل بالنافلة عند الحساب يوم القيامة، وقد ورد في الحديث عن حريث بن قبيصة قال: قدمت المدينة فقلت: اللهم يسر لي جليساً صالحاً قال فجلست إلى أبي هريرة فقلت: إني سألت الله أن يرزقني جليساً صالحاً فحدثني بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله أن ينفعني به؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر فإن انتقص من فريضته شيء قال الرب تبارك وتعالى: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة ثم يكون سائر عمله على ذلك))، رواه الترمذي وحسنه ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح سنن الترمذي 1/130.

والكثير منا يحدث له نقص وخلل في صيام رمضان ، فنحتاج إلى ما يجبر هذا النقص ويكمله من النافلة ، وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول: ((من لم يجد ما يتصدق به فليصم)) ، يعني من لم يجد ما يخرجه صدقة الفطر في آخر رمضان فليصم بعد الفطر، فإن الصيام يقوم مقام الإطعام في التكفير عن السيئات ، كما يقوم مقامه في كفارات الإيمان وغيرها من الكفارات مثل كفارات القتل والوطء في رمضان والظهار. (أسرار المحبين في رمضان)

– إن استمرار صيام النافلة بعد صيام رمضان من علامات قبول صوم رمضان، فمن المعلوم أن الله إذا تقبل عمل أحدنا وفقه لعمل صالح آخر بعده، كما قيل: ((ثواب الحسنة الحسنة بعدها))، فمن عمل حسنة ثم أتبعها بعمل حسن آخر كان علامة على قبول الحسنة الأولى ، كما أن عمل الحسنة ثم يتبعها بسيئة كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها .

– إن صيام شهر رمضان يوجب مغفرة ما تقدم من ذنوب لا يعلمها الا الله .

-الصائمون لفرض رمضان يوفون أجورهم عند الفطر، لأنّه يوم الجوائز ومعاودة الصيام بعد فطر رمضان يكون شكراً لهذه النعمة ، فلا نعمة أعظم من غفران الذنوب ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تتورم قدماه فعن المغيرة رضي الله عنه يقول: قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا . (رواه البخاري ومسلم) وينظر: (لطائف المعارف لابن رجب رحمه الله تعالى)

وإن الله سبحانه وتعالى قد أمر عباده شكر النعمة ومنها شكر نعمة صيام رمضان، بإعلاء ذكره ومن أنواع شكره قوله تعالى: ((وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) (سورة البقرة: الآية 185). ومن جملة شكر العبد لله على توفيقه صيام رمضان وإعانته عليه وأخيراً مغفرة ذنوبه أن يصوم له شكراً بعد ذلك ، قال صاحب كتاب اسرار المحبين وكان بعض السلف إذا وفق لقيام ليلة من الليالي أصبح في نهاره صائماً، ويجعل صيامه شكراً للتوفيق للقيام . وكان وهب بن الورد يُسأل عن ثواب شيء من الأعمال كالطواف ونحوه؟ فيقول: لا تسألوا عن ثوابه ولكن اسألوا ما الذي على من وفق لهذا العمل من الشكر للتوفيق والإعانة عليه

وقال الشاعر:

إذا أنتَ لم تَزْددْ على كلِّ نعمة. . .   لمؤتِيكَهَا حبًّا فلستَ بشَاكرٍ

إذا أنتَ لم تؤثرْ رِضا اللهِ وحدَهُ. . . على كلِّ ما تهْوَى فلستَ بصَابرٍ (ينظر روائع التفسير ابن رجب الحنبلي)

 

ثم قال ، على كل نعمة على العبد من الله في دين أو دنيا يحتاج إلى شكر عليها، ثم للتوفيق للشكر عليها نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان ، ثم التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى يحتاج إلى شكر آخر، وهكذا ابدا، فلا يقدر العبد على القيام بشكر النعم، وحقيقة الشكر الاعتراف بالعجز عن الشكر كما قال الشاعر:

 

إذا كان شُكري نعمةَ اللهِ نعمةً … عليَّ له في مثلِها يجبُ الشكرُ

فكيف وقوعُ الشكرِ إلا بفضلِه … وإنْ طالتِ الأيامُ واتَّصلَ العمرُ

إذا مسَّ بالسرَّاءِ عمَّ سرورُها … وإن مسَّ بالضرَّاءِ أعقَبَها الأجرُ

فما منهما إلا لهُ فيه نعمةٌ … تضيقُ بها الأوهامُ والسِّرُّ والجهرُ

 

فمقابلة نعمة توفيق الله لصيام شهر رمضان بارتكاب المعاصي بعدها هو كفعل من بدل نعمة الله كفراً ، كفر النعمة وليس كفرا مخرجاً من الملة باب الزجر فإن كان قد عزم في صيامه على معاودة المعاصي بعد انقضاء الصيام فصيامه عليه مردود، وباب الرحمة نأمل من الله ألا يكون في وجهه مسدود، قال كعب: من صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر من رمضان لم يعص الله دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب، ومن صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر عصى ربه فصيامه عليه مردود. ( نداء الريان في فقه الصوم وفضل رمضان) .

-إن أعمال العبد التي يتقرب بها إلى الله في شهر رمضان لا تنقطع بانقضاء شهر رمضان، بل هي باقية حتى بعد انقضائه، وذلك أن من يفرح بانقضاء رمضان لاستثقال صيامه ولطوله، فإنه لا يكاد يعود إلى صيام شهر شوال. أما من يعاود صيام شهر شوال بعد فطر رمضان فهذا دليل على رغبته في الطاعات ، وإنه لم يمل صيام رمضان ولم يستثقله ، والعائد إلى صيام شوال سريعاً بعد فراغه من رمضان يشبه قارئ القرآن الذي ما إن فرغ من قراءته حتى يعود الى فهم معناه.

قيل لبِشْر الحافي: إن قوماً يتعبدون ويجتهدون في رمضان فقال: ((بئس القوم لا يعرفون لله حقًا إلا في شهر رمضان، إنّ العبد الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها)).

سُئل الشبلي: أيهما أفضل رجب أم شعبان؟ فقال: كن ربانياً ولا تكن شعبانيًا.

كان النبي صلى الله عليه وسلم عمله ديمة، وسئلت عائشة رضي الله عنها: هل كان يخص يوماً من الأيام؟ فقالت: ((لا، كان عمله ديمة)) (متفق عليه).

فهذه فضائل الصوم بعد شهر رمضان، وذلك أجر صيام الست من شوال،  فنسأل الله الإعانة على صيامها ، ونسأله أن يتقبلها منا ، وأن يكتب لنا الأجر الجزيل على ذلك إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.




X أرشيف مطبوعات الديوان


مجلة الرسالة الاسلامية



مجلة عيون الديوان



مجلة بنت الاسلام



مجلة الامة الوسط



مجلة والذين معه