07 / 09 / 2014

المرابح العشر

الشيخ : عبد الرحمن عبد الستار النعيمي

سوف تخطف اضواؤها الابصار ، وتسحر بضائعها الالباب ، حسومات تناهز نسبتها ال 70% ، دخلت فيها فذكرت إمكانية الحصول على ألفي الف حسنة اذا ما دعوت الله تعالى بدعاء دخولها .وذكرني هذا بالمثال الذي ضربه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : (( الدنيا كسوق ، قام ثم انفضَّ ، ربح فيه من ربح ، وخسر فيه من خسر )) وذكرت بذلك مرابح الدنيا ومرابح الآخرة وكلاهما يرغب الشرع فيه ، فالتاجر الصدوق مع الانبياء الصديقين وأمر الآخرة افصله في مرابح عشرة .

المربح الاول : البشرى على قدر المبشر : لندلف السوق بتشوّف سائح ، يبحث عن التالد والطريف ، ينتظر بشرى من مالك الآخرة والأولى : ((التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ )) (سورة التوبة الآية : 112) . فسر ابن عباس – رضي الله عنهما – .

( السائحون ) : هم الصائمون ، والسائحات من الصائمات ، نرى السائحين في زماننا لايأكلون ولا يشربون الا لُماماً ، إذا ما اتيح لهم المجال وسنحت لهم الفرصة .

والبشارة من العظيم عظيمة .

المربح الثاني : بلا حدود : يسأل أبو أمامة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم – في غزوة – ان يرزقه الله الشهادة : فيقول عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام : (( اللهم سّلمهم وغنّمهم )) فيغزون ويسلَمون . ويتكرر السؤال ثلاثاً ويتكرر الدعاء ثلاثاً .

يقول أبو أمامه – معدلاً الطلب – فمرني بعمل أدخل به الجنَّة ، فقال عليه وعلى آله وصحبه وسلم الصلاة والسلام : (( عليك بالصوم فإنه لا مثلَ له )) فكان أبو أمامة لا يُرى في بيتِهِ الدخان ُ نهاراً – الا اذا نزل به ضيف )) .

المربح الثالث : الجزاء الرباني : يتلقى العاملون في هذا السوق والمتبضعون فيه اجوراً وارباحاً تجلّ على الحصر ، وتتصاغر عنده الارقام ، وتعضل بالملائكة فلا توفيها الارقام التي عندهم . ففي الحديث القدسي : (( كل عمل ابن ادم له ، الحسنة بعشر أمثالها . الى سبعمائة ضعف ، قال تعالى : الا الصيام فهو لي ، وأنا أجزي به )) .

ويأتي التعليل بقوله الشريف : يدع طعامه من أجلي ، ويدع الشراب من أجلي . ويدع لذته من أجلي ، ويدع زوجته من أجلي … )) قال القرطبي : ( اعمال بني آدم لما كانت يمكن دخول الرياء فيها ، اضيفت اليهم بخلاف الصيام ، فان حال الممسك شبعاً، مثل حال الممسك تقرباً – عبادة لله – يعني في الصورة الظاهرة) فالفعل لا رياء فيه، لكن القول قد يداخله الرياء، اذا ما قال: انا صائم. فما اعظم عطاء رب الأرض والسماء ، قال المنادي: (إذا أخبر الله تعالى بانه يعطي العطاء بلا واسطة ، اقتضى سرعة العطاء وشرفه) (فيض القدير: 4/251).

المربح الرابع: الصمدية والملائكة:- ان عملّ كل عبد يناسب حاله، لكن الصيام يناسب صفة (الصمد) – جلّ وعزّ- الذي لايحتاج الى شيء فكأن الصائم يتقرب الى الله بأمر متعلق بصفة من صفاته، ويوافق حاله ايضا أحوال الملائكة التي لاتأكل ولا تشرب ولاتقارف الشهوات .

المربح الخامس: ثروة عظيمة بعد المقاصّة: – قد يدخل السوق من يخلو وفاضه من الدرهم والدينار، وقد يكون مفلساً لكثرة حقوق الناس التي في ذمته وان كان له شيئ فان الحقوق تستغرقه، هذا الذي اشفى على الهلاك الدنيوي، له حال مماثلة في سوق الآخرة، بيد ان التعامل والتقاضي والمقاصة تكون بالحسنات والسيئات، الاّ ما يكون من الصيام فانه حتى لو دخل المقاصة، فانه يفضل فيه من الرصيد المنجي الشيء العظيم ففي الحديث: ((كل العمل كفارة الا الصيام)) رواه أبو داود الطيالسي.

قال ابن رجب في لطائف المعارف (ص168) : ( المحتمل ان الصوم لايسقط ثوابه بمقاصة ولا غيرها، بل يوفر أجره لصاحبه، حتى يدخله الجنة، فيوفى أجره فيها، قال – تعالى-: ((إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10))) الزمر.

(( والصوم نصف الصبر)) كما صح في الحديث.

المربح السادس: المعاملة السمحة:- قد تصدر من مرتاد السوق هفوات وقد تقع للبائع ازمات، لكن عَهِدَت الاسواق ان تجعل من بعض المتبضعين (الزبائن الاولى بالرعاية) في حساب راعي السوق، وان كانت عليه استحقاقات، ربما بكبسة مفتاح (الحذف Delete) تذوب الاوزار وتمحى الاثقال، لله المثل الاعلى، يقول النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : ((فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة فالامر بالمعروف والنهي عن المنكر)) متفق عليه. خصّ الرجال؛ لأنهم أرباب الأسر وأصحاب المسؤوليات، والأكثر اختلاطاً بالناس، وقد يشغلون بحب المال عن أبواب خير أخرى، وبالنفس والخلود الى الدعة عن واجبات في حق الأولاد والجيران وحتى الأمة. وقد يداخل القلب حسد لجارٍ، او تنافس مع زميل عمل . لكن قانون : ((ان الحسنات يذهبن السيئات)) (هود: من الاية 115) يعمل بجلاء فتكفر الصلاة والصيام الهفوات العملية، وتكفر الصدقة الهنات المالية، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر يجلو ما سببه قتام التقاعس في تحصيل حقوق الامة.

المربح السابع : في زاوية المطعم :- يُكرم السائحون ويحتفى بالزائرين حسب مقاماتهم اذا مالبّوا الدعوة في ميعادها المناسب على بوابة الاستقبال لافتة كتب عليها : ( ان الله وملائكته يصلون على المسّحرين ) رواه ابن حيان في صحيحه والطبراني في الاوسط . يقول صاحب نداء الريان وقد أفدت من موارده جزاه الله خيراً : (يا هذا تبيع صلاة الله وملائكِتِه بشبع وتخوم ولا تصوم عن لقمة )

المربح الثامن : التحصين من الجوائح والازمات :- قد تتعرض الأسواق إلى هزات مالية وأزمات اقتصادية يحدث أرباب المال عن ( التأمين ) وقد لا ينظرون الى حلاله ولا إلى حرامه . وطوابق السوبر ماركت فيها مخارج للطوارئ ومنظومات ضد النيران ، هل فكروا مرة ان يتخدوا ملاذات أمان ضّد عذاب الآخره ولكن كثيراً من الناس عن عذاب الآخره غافلون ، نار وقودها الناس والحجارة لا تدانيهما حمم البراكين ، ولا تظاهيها صهارات معادن باطن الارض .

يصورها النبي الرحيم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : (( ناركم هذه التي توقودون جزء واحد من سبعين جزءاًً من حَرِّ جهنم . قالوا والله ، إن كانت لكافية . يا رسول الله ! قال : فانها فضلت بتسعةٍ وستين جزءً ( كلهُن مثلُ حرّها ) قال الترمذي حسن صحيح وفي رواية أحمد في مسنده ( من مائة جزء ) . والمراد – كما قال صاحب تحفة الأحوزي – المبالغة في الكثرة ، لا العدد الخاص . هذا مع التخفيف في نار الدنيا . ورد في رواية احمد والبيهيقي وابن حبان انها ( ضُرِبت بالبحر مرتين ) لولا ذلك ماجعل الله فيها منفعة لأحد . وروى البيهيقي ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال : (( يحسبون ان نار جهنم مثل ناركم هذه ، هي أشدّ سواداً من القار ، هي جزء من بضعة وستين جزءاً منها )) . يا ألطاف الله .. ويا رحمة الله من عذاب الله . هنا ياتي الصيام لينقذ من الكارثة !! قال النبي الشفيع صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : (( صيام المرء في سبيل الله يبعده عن جهنم سبعين عاماً )) صحيح ، في الطبراني الكبير .

قال ملا على القارئ في المرقاة ( 4/302) : سبيل الله : اي الجهاد او في طريق الحج أو العمرة ، او في طلب العلم ، او ابتغاء مرضاة الله : وفي بعضها ( خريفاً ) بدل ( عاماً ) لان الخريف موسم جني الثمار وسعة العيش بعد تعب الزرع ومشقة الرعاية . فقابل مشقة الغزو والحج والدأب في طلب العلم والسعي في مرضاة الله . الابعاد عن مواطن الخوف ، والجزاء من جنس العمل .

المربح التاسع : المائدة العجيبة :- في طوابق الاسواق الكبرى وفي الفنادق الراقيات . صالات شرف تقام فيها ( موائد شرف خاصة بذوي الإمتيازات الرفيعة . مثيل لذلك في الآخرة – مع الفارق في النسبة بين القطرة والبحر – يقول ابن رجب في بلاغات بعض الصالحين : انه يوضع للصّوام مائدة ، يأكلون عليها ( انهم طالما صاموا وأفطرتم ، وقاموا ونمتم ) وقد يكون لذلك جميل خيوط معنى تتصل بحديث ابي موسى الاشعري ، ( ان الله قضى على نفسة : ان من عَطش نفسه لله في يوم حارّ كان حقاً على الله ان يرويه يوم القيامة ) فكان – رضي الله عنه – يتوخى اليوم الشديد حرّه ، الذي يكاد الانسان فيه ان ينسلخ حرّاً فيصومه .

اما صيام الشتاء فهو الغنيمة الباردة الميسورة ، هو ( متنّزه الطاعات ) قَّصُرَ نهاره فصامه وطال ليله فقامه .

المربح العاشر : الجائزة الكبرى : – توضع في مكان متميز في ( المولات الكبرى ) ( جائزة كبرى ) سيارة فاخرة ، او غرفة نوم فارهة تسر الناظرين ، تتطلع لها النفوس ، هناك جائزة أخرى ، قطرات شهد الكلمات تنساب من فمّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مرغباً فيها : ( ان في الجنة لغرفاً ، يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها ، أعدّها الله لمن : أطعم الطعام ، وألين الكلام ، وتابع الصيام وصلى بالليل والناس نيام ) صحيح ابن خزيمة .

وأعظمْ بها من غرفة !! يتطلع اليها اصحاب المقامات الرفيعة في الجنة وتطمع اليها أبصارهم : (( ان أهل الجنة ليتراءَون أهل الغَرفِ من فوقهم كما تراءون الكوكب الدّري الغابر في الافق من المشرق او المغرب ، لتفاضل ما بينهم )) متفق عليه

اللهم اجعلني والقراء في أهل الغرفات من الآمنين وصلى الله على سيدنا ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، والحمدالله رب العاملين




X أرشيف مطبوعات الديوان


مجلة الرسالة الاسلامية



مجلة عيون الديوان



مجلة بنت الاسلام



مجلة الامة الوسط



مجلة والذين معه