30 / 12 / 2014

لا تسبوا الوقت…

د.أنس يونس الجنابي

قال – تعالى- : (( وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)… )). أقسم الله – تعالى- في هذه السورة بالوقت لما يشكله من أهمية بالنسبة لهذا الكون ،فكل شيء في هذه الخليقة له زمن معلوم يبدأ من نشوء الخلق وينتهي بقيام الساعة .

كما يشكل الوقت ظرف العمل ووعائه ، وهو سبب الربح والخسارة في هذه الدنيا ، وغدا عندما تُعرض الصحف على الواحد القهار ، فما الحياة سوى هذه الأيام والساعات التي نعيشها لحظة بلحظة، وعلى علو الدهر وأهميته إلاّ ان الكثير من الناس لا يعون هذه الأهمية اما جهلاً بها او تجاوزاً عليها، فمن العادات الخاطئة التي درج عليها الناس وأصبحت جزءاً مهماً من كلامهم في مجالسهم وحواراتهم وتوصيفاتهم لما وصل اليه حالهم من تردٍ للأوضاع وانتشار للظلم الذي حاق بهم ، هي سب الزمن والوقت بمختلف الألفاظ والعبارات وتحميل الدهر هذه الإخفاقات بل ان كثيراً من الناس لا يعترف بالخطأ والتقصير بحق نفسه او بحق الآخرين، وتجده تارة يعزوا هذا الفشل الى ظروف خارجة عن إرادته او تكالب الظلمة من الناس عليه وسلبه حق كان من المفروض أن يكون من نصيبه ، كأنه منزه عن التقصير ومعصوم من الخطأ ، فحين يرى مثلا احد الاشخاص يتسنم منصبا او يجني الأموال الطائلة وهو غير أهل لهذا المال او المنصب نجده يفرغ جام غضبه على الوقت ويتفنن في اختيار عباراته في ذمه وكأن الوقت هو من جاء بهذا الشخص الى هذا المكان او اعطاه هذه الأموال. يقول الإمام الشافعي – رحمه الله- بهذا الشأن:

   نعيب زماننا والعيب فينا               وما لزماننا عيبٌ سوانا

       ونهجو ذا الزمان بغير ذنبٍ           ولو نطق الزمان لنا هجانا

         وليسَ الذئبُ يأكلُ لحمَ ذئبٍ         ويأكلُ بعضنا بعضاً عيانا

لا ننكر ان الذي مر بنا وما يجري هي أمور غير طبيعية ، بل هي كوارث وفتن حذرنا منها رسولنا الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عندما قال: ((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فستكون فِتَن كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا )). (رواه مسلم)

الملاحظ لهذا الحديث ان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حذر اتباعه من وقوع الناس بهذه الفتن وحضهم على العمل ولم ينتقد او يلوم الوقت الذي ستمر به الأمة بل علمهم كيف يواجهون هذه النكبات ويتخطونها . فشدد على المبادرة بالأعمال لا الاقوال والتذمر كما هو حال كثير من الناس اليوم ،اذ وافقوا اسلافهم من العرب عندما كانوا يذمون الدهر ويسبونه عند النوازل ، فقد كانوا ينسبون ما اصابهم ويصيبهم من المصائب والكوارث الى الدهر فيقولون اصابتهم قوارع الدهر، وجار عليهم الزمن ،وهو أمر نهينا عنه، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (( قال الله – عز وجل- : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر ، وأنا الدهر بيدي الأمر ، أقلب الليل والنهار )) رواه البخاري ومسلم ، وجاء الحديث بألفاظ مختلفة منها رواية مسلم : (( قال الله – عز وجل- : يؤذيني ابن آدم يقول : يا خيبة الدهر ، فلا يقولن أحدكم : يا خيبة الدهر ، فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فإذا شئت قبضتهما )) ، ومنها رواية للإمام أحمد : (( لا تسبوا الدهر فإن الله عز وجل قال : أنا الدهر الأيام والليالي لي أجددها وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك )) صححه الألباني.

إذاً فالإنسان بسبِّه للدهر يرتكب جملة من المفاسد ، منها أنه سبَّ من ليس أهلاً للسب ، فإن الدهر خلق مسخَّراً من خلق الله ، منقاداُ لأمره متذللاً لتسخيره ، فسابُّه أولى بالذم والسب منه

لهذا فان سب الوقت او الدهر او الزمن هو سب لله والعياذ بالله ، حتى وان كان الشخص لا يدري فأن هذا لا ينجيه من الذنب ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : ((إِنَّ العبد ليتكلّم بالكلمة -مِنْ رضوان الله- لا يُلْقِي لها بالاً، يرفعه الله بها في الجنة, وإن العبد ليتكلم بالكلمة -من سَخَط الله- لا يُلْقِي لها بالاً، يهوي بها في جهنم )). (اخرجه البخاري ومسلم). فإذا اردنا اصلا

ح حالنا وجب علينا مراقبة ما نقول والتحري عمّا يرضي الله لنعمل به ،ولا نكتفي بالقول من دون العمل فنحن أمة العمل لا القول ، والابتعاد عن كل ما يغضب الله من قول او عمل ، فكثير مما درج عليه الناس في حياتهم من الألفاظ والأقوال يجب مراجعتها؛ لأنها تجلب سخط الله من حيث لا يدرون .




X أرشيف مطبوعات الديوان


مجلة الرسالة الاسلامية



مجلة عيون الديوان



مجلة بنت الاسلام



مجلة الامة الوسط



مجلة والذين معه